صحةمجتمعمنوعات

كيف يترسخ الخوف وكيف نعالجه؟

تبدو مسألة الخوف من الثعابين طبيعية ومقبولة إذا تعلّق الأمر بنزهة في الغابة أو الأدغال. لكن عندما يصل الأمر إلى الخوف من خراطيم المياه والهروب منها في الحدائق العامة فإنه يعني خللا واضحا وعدم قدرة على التأقلم مع الحياة اليومية.

وهناك نوع آخر من الرهاب أو “الفوبيا” التي تفتقر إلى تفسير منطقي يصبح معه الجواب عن السؤال “كيف يترسخ الخوف” كالبحث عن إبرة في كومة قش، ونذكر على سبيل المثال : النفور من الحمام  أو من الرقم 13 ، وكذلك الخوف من اللون الأصفر …

يقول “فيليب غولدين” عالم النفس و الأعصاب في جامعة كاليفورنيا أن آليات الخوف قد ساعدت الانسان على البقاء حيا لملايين السنين. لكن هذه الآلية الطبيعية قد تنحرف وتصبح غريبة في بعض الأحيان.

عندما يكذب الخوف ! 

تعتبر اللوزة الدماغية المسؤول الرئيس عن الشعور بالخوف. وهي عبارة عن مجموعتين من الخلايا العصبية لوزية الشكل. و تقع في عمق الفص الصدغي من الدماغ.
وقد أثبت العلماء أن مشاعر الخوف تنشأ في ممرين يصلان بين الخلايا العصبية داخل اللوزة الدماغية. ويرتبط الممر الأول بالمحفزّ مباشرة، بينما يمر الثاني –وهو الأطول- عبر القشرة الدماغية في الموضع الذي تتولد فيه مهارات التفكير العليا.

وفي الحالتين كلتيهما، يقول “Nouchine Hadjikhani” عالم الأعصاب في جامعة هارفارد أن إطلاق إنذار اللوزة يؤدي إلى وضع الإنسان في حالة استعداد للقيام برد فعل. 

ويحدث الحافز المسبب للخوف رد فعل يضاهي سرعة البرق. وقد وجد العالم السويدي “ارني أومان” وزملاؤه أن صور الثعابين أو العناكب  تومض بسرعة كبيرة جدا في الدماغ دون أن تتيح للناس إمكانية التأكد من رؤية ثعبان أو عنكبوت حقيقيين. الشيء الذي يثير رد فعل الخوف.
ومن المثير للاهتمام، أن وميض هذه المحفزات عالية السرعة يجعل اللوزة الدماغية تستجيب بالتساوي مع جميع المحفزات. لذلك فإن الشخص المصاب بالرهاب يتوتر بالقدر نفسه عند رؤية صور العناكب والثعابين. ولكن عندما يتم عرض الصور ببطء كاف لتحليل الصوره وفهمها، فإن اللوزة تستجيب فقط لرهاب معين (العناكب مثلا).
تبدو لوزتنا الدماغية مصممة للرد على أي تهديد بسرعة كبيرة. لكن عندما يكون هناك وقت كافٍ لتحليل الموقف من طرف أجزاء الدماغ الرزينة والواقعية. فيمكن حينها استبعاد الأشياء التي لا تستحق الاهتمام. 

تؤدّي المسارات المتفرعة عن اللوزة إلى مناطق أخرى من الدماغ. ومن أهم هذه المناطق نجد “المهاد” الذي يستجيب للشعور بالخوف. وينظم إنتاج وإفراز الهرمونات، كالأدرينالين الذي يعتبر المفتاح الرئيس للاستجابة “مواجهة-أو-هروب”.
و تعتبر اللوزة واحدة من المناطق الأكثر ترابطا في الدماغ. ويبدو الأمر منطقيا في نظر “غولدين” الذي يضيف أن “الإثارة – الإيجابية أو السلبية – تنشط العديد من الآليات المختلفة”. 

ولكن يبدو أن هناك مناطق أخرى من الدماغ تسبب رد فعل “الخوف”. و يتضح ذلك جليا في نتائج دراسات أجريت على أشخاص يعانون من اضطراب وراثي نادر يسمى مرض Urbach-Wieth  الذي يسبب ضمور اللوزة.
فخلال التجارب التي أجراها باحثون من جامعة ولاية ايوا، لم يتأثر المصابون بهذا المرض بأفلام الرعب أو بالعناكب الكبيرة. لكنهم أصيبوا بالهلع عندما طلِبَ منهم استنشاق خليط ثاني أكسيد الكربون من خلال قناع بشكل يحاكي تجربة الاختناق. وهذا يعني وجود مناطق مسؤولة عن الخوف و مستقلة عن اللوزة.
لكن هناك حاجة لمزيد من البحوث لتتبع هذا المسار داخل الدماغ.

كيف يترسّخ الخوف: من خلال رابط مباشر؟ 

مثلما أدى صوت جرس الأكل إلى إفراز لعاب الكلب (خلال تجربة بافلوف)، يمكن كذلك إيجاد علاقة قوية بين بعض الأشياء غير الضارة و الفوبيا.

إذ يكمن  للعلماء خلق إحساس الرهاب لدى فئران المختبر انطلاقا من بعض الأصوات أو الروائح، وذلك بجعلها متزامنة مع صدمة مؤلمة.
لكن في نهاية المطاف يصعب على القوارض الربط بين الألم و الرائحة أو الصوت، ويبقى خوفهم الأكبر من الصدمة.

كيف يترسّخ الخوف: من خلال رابط غير مباشر؟ 

تبدو دراسة الفوبيا وكيفية ظهورها على الإنسان أكثر تعقيدا من مجرد إجراء تجربة على طفل داخل مختبر. لكن عالم النفس “ريك فيرارو” من جامعة نورث داكوتا يدعونا إلى تخيل شخص يهاب اللون الأخضر، و التساؤل عن كيفية تشكّل هذا الشعور؟
هناك العديد من الاحتمالات. لكن حسب رأيه “يمكن أن يكون السبب هو سقوط الطفل، واتساخ ملابسه بالعشب، مما أدى إلى معاقبته بشدة من طرف والديه، فأصبح يربط  بين الخوف و اللون الأخضر”

كيف يترسّخ الخوف: من خلال نقل الإحساس بالخوف ؟

هناك أيضا عنصر اجتماعي قد يكون وراء إصابة الإنسان بالرهاب.
فالإنسان يتعلم الكثير من سلوكاته من خلال الملاحظة، بما في ذلك الخوف.
وقد كتب عالم الأعصاب “دين بورنيت” في  صحيفة “الغارديان” أن رؤية الطفلِ لأمه وهي مرعبة من رؤية دبور، يجعله -في الغالب- خائفا من رؤيتها كذلك.

كيف يترسّخ الخوف: من خلال التعليم؟

قد نتمكن من إقناع أنفسنا بأن أمرا مخيفا يهددنا بمجرّد تلقي معلومات (صحيحة أو خاطئة).

هذه الظاهرة الإنسانية الفريدة تسمى اكتساب الخوف التعليمي.
وقد أثبت فريق البحث العلمي في جامعة نيويورك بقيادة “إليزابيث فيلبس” أن إخبار شخص ما بإمكانية تعرضه لصدمة عند وميض مربع ملوّن على شاشة، كان كافيا لإثارة لوزته الدماغية بمجرّد ظهور المربع، ويُرجّحُ أن الدماغ يعمل على خلق محاكاة تمثيلية للشعور الألم.
وفي العالم الحقيقي يمكن اكتساب الخوف التعليمي -كالرغبة في تجنب الاستحمام أو أسراب الطيور-  بسبب رؤية فيلم رعب فقط !

كيف يترسخ الخوف وراثيا؟ 

يوجد عامل آخر -أقل وضوحا- يمكن أن يسبب الخوف، وهو عامل وراثي يؤدي إلى تغييرات على شفرتنا الوراثية.
ويظن “غولدين” أن بإمكان هذا العامل الوراثي تفسير الاختلاف الكبير في كيفية استجابة الناس مع مخاوفهم الخاصة.

ويضيف “غولدين” أن الإنسان يتعلّم الكثير منذ ولادته وأن هذا المسار التعليمي يُنحت في الدماغ. غير أن هناك عوامل وراثية أخرى منسوبة إلى آبائنا أو أجدادنا. فبعض الأشياء التي حدثت لهم في السابق تأثر على شفرتنا الوراثية الخاصة و تحدد الأجزاء المفعّلة وغير المفعّلة منها.


وهناك أدلة علمية تشهد على ذلك، حيث نشر باحثون –عام 2013- ورقة في “دورية الطبيعة وعلوم الاعصاب” حول تجربة تم خلالها تدريب الفئران على ربط  الألم مع رائحة الأسيتوفينون ( رائحة تشبه رائحة أزهار البرتقال مع إضافة نكهة الكرز الصناعية).
وقد لاحظ العلماء أن النسل المنحدر من هذه الفئران قد أظهر كذلك علامات الإثارة والخوف من رائحة الأسيتوفينون .

كيف يمكن محاربة الخوف؟

بعد أن علمت كيف يترسخ الخوف، يمكنك اتباع منهجية معاكسة للتخلص منه. فعلى الرغم من أن المخاوف تنبع من عدة مصادر مختلفة، إلا أنه يمكن علاج عقدة الرهاب النفسية.
ويعتبر العلاج السلوكي المعرفي القائم على المواجهة أمثل علاج لهذه العقدة، حيث يقوم الشخص بمساعدة المعالج على فتح أنماط الفكر الكامنة وراء مخاوفه، و يتعلّم بشكل تدريجي كيفية تحمل الحافز المسبب للفوبيا.
و بإمكان المصاب بالفوبيا أن يتحدث بشكل صريح عن مستوى الخطر الذي تمثّله له العناكب، قبل أن ينتقل للنظر إلى صورها، ثم يقوم بعدها بالاقتراب أكثر فأكثر من عنكبوت حقيقي. 

إذا كنت تهرب من الثعابين والعناكب ، أو تصاب بالشحوب عند رؤية الحمام، فلا تيأس !
فكما تم برمجة عقلك على الخوف من هذه الأشياء، يمكنك إعادة برمجته مجددا والتخلص من هذا المشكل.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى